أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
266
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السالم لا يجوز تأنيث فعله عند البصريين ، لا يجوز : قامت الزيدون ، ولا : تقوم الزيدون . وأمّا اعتذاره عن ذلك بأنّ « الَّذِينَ » صفة للقوم الجائز تأنيث فعلهم وإنما حذف فلا ينفعه ، لأنّ الاعتبار إنما هو بالملفوظ به لا بالمقدّر ، لا يجيز أحد من البصريين : « قامت المسلمون » على إرادة « القوم المسلمون » البتة . وقال أبو الحسن الحوفي : « أنّ وما عملت فيه في موضع نصب على البدل ، و « الَّذِينَ » المفعول الأول ، والثاني محذوف وهو معنى قول الزمخشري المتقدم . الرابع : أن يكون « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ » بدلا من « الَّذِينَ كَفَرُوا » بدل الاشتمال أي : إملاءنا ، و « خَيْرٌ » بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي : هو خير لأنفسهم ، والجملة هي المفعول الثاني . نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم ، قال : « قلت : مثل هذه القراءة بيت الحماسة : 1502 - منّا الأناة وبعض القوم يحسبنا * أنّا بطاء وفي إبطائنا سرع « 1 » كذا جاءت الرواية بفتح « أنّا » بعد ذكر المفعول الأول ، فعلى هذا يجوز أن تقول : « حسبت زيدا أنه قائم » أي : حسبته ذا قيام ، فوجه الفتح أنها وقعت مفعولة ، وهي وما عملت فيه في موضع مفرد وهو المفعول الثاني لحسبت » انتهى . وفيما قاله نظر ؛ لأن النحاة نصوا على وجوب كسر « إنّ » إذا وقعت مفعولا ثانيا والأول اسم عين ، وأنشدوا البيت المذكور على ذلك ، وعللوا وجوب الكسر بأنّا لو فتحنا لكانت في محل مصدر فيلزم الإخبار بالمعنى عن العين . الخامس : أن يكون « الَّذِينَ كَفَرُوا » مفعولا أول ، و « إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً » في موضع المفعول الثاني ، و « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ » مبتدأ وخبر ، اعترض به بين مفعولي « وتحسبنّ » ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، نقل ذلك عن الأخفش . قال أبو حاتم : « سمعت الأخفش يذكر فتح « أنّ » يحتجّ بها لأهل القدر لأنه كان منهم ، ويجعله على التقديم والتأخير ، كأنه قال : « ولا تحسبنّ الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، أنما نملي لهم خير لأنفسهم » انتهى . وإنما جاز أن تكون « أنّ » المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام لأنّ مذهب الأخفش ذلك ، وغيره يمنع ذلك ، فإن تقدّم خبرها عليها نحو : « في ظني أنك منطلق » أو أمّا التفصيلية نحو : « أما أنك منطلق فعندي » جاز ذلك إجماعا ، وقول أبي حاتم : « يذكر فتح أنّ » يعني بها التي في قوله : « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ » . ووجه تمسّك القدريّة به أنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يملي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم ؛ لأنه يجب عندهم رعاية الأصلح . السادس : قال المهدوي : « وقال قوم قدّم « الَّذِينَ كَفَرُوا » توكيدا ، ثم حالهم من قوله : « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ » ردّا عليهم ، والتقدير : ولا تحسبن أنّ « إملاءنا للذين كفروا خير لأنفسهم » انتهى . وأمّا قراءة يحيى بكسر « إنما » مع الغيبة فلا يخلو : إمّا أن يجعل الفعل مسندا إلى « الَّذِينَ » أو إلى ضمير غائب ، فإن كان الأول كانت « إنما » وما في حيزها معلّقة ل « يَحْسَبَنَّ » وإن لم تكن اللام في خبرها لفظا فهي مقدرة ، فتكون « أَنَّما » بالكسر في موضع نصب ؛ لأنها معلقة لفعل الحسبان مع نية اللام ، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوب عن المفعولين الصريحين لتقدير لام الابتداء في قوله : 1503 - كذاك أدّبت حتّى صار من خلقي * إني رأيت ملاك الشّيمة الأدب « 2 »
--> - القراء له كتاب خط المصاحف والهداية ولباب التفاسير توفي بعد الخمسمائة انظر غاية النهاية 2 / 291 . ( 1 ) البيت لوضاح بن إسماعيل انظر الحماسة 1 / 324 . ( 2 ) انظر البيت في الحماسة 2 / 574 ، الخزانة 4 / 5 ، الدرر 1 / 135 .